ابن الأثير
357
الكامل في التاريخ
وبلغ قتله محمد بن أبي بكر فتفرّق عنه أصحابه ، وأقبل نحوه عمرو ، وما بقي معه أحد ، فخرج محمد يمشي في الطريق ، فانتهى إلى خربة في ناحية الطريق فأوى إليها ، وسار عمرو بن العاص حتى دخل الفسطاط ، وخرج معاوية بن حديج في طلب محمد بن أبي بكر فانتهى إلى جماعة على قارعة الطريق فسألهم عنه ، فقال أحدهم : دخلت تلك الخربة فرأيت فيها رجلا جالسا . فقال ابن حديج : هو هو . فدخلوا عليه فاستخرجوه وقد كاد يموت عطشا ، وأقبلوا به نحو الفسطاط ، فوثب أخوه عبد الرحمن بن أبي بكر إلى عمرو بن العاص ، وكان في جنده ، وقال : أتقتل أخي صبرا ؟ ابعث إلى ابن حديج فانهه عنه . فبعث إليه يأمره أن يأتيه بمحمّد ، فقال : قتلتم كنانة بن بشر وأخلّي أنا محمدا ؟ أَ كُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ ؟ [ 1 ] هيهات هيهات ! فقال لهم محمّد بن أبي بكر : اسقوني ماء . فقال له معاوية بن حديج : لا سقاني اللَّه إن سقيتك قطرة أبدا ، إنّكم منعتم عثمان شرب الماء ، واللَّه لأقتلنّك حتى يسقيك اللَّه من الحميم والغسّاق ! فقال له محمد : يا ابن اليهوديّة النسّاجة ليس ذلك إليك إنّما ذلك إلى اللَّه ، يسقي أولياءه ويظمئ أعداءه أنت وأمثالك ، أما واللَّه لو كان سيفي بيدي ما بلغتم مني هذا . ثمّ قال له : أتدري ما أصنع بك ؟ أدخلك جوف حمار ثمّ أحرقه عليك بالنار . فقال محمد : إن فعلت بي ذلك فلطالما فعلتم ذلك بأولياء اللَّه ، وإنّي لأرجو أن يجعلها عليك وعلى أوليائك ومعاوية وعمرو نارا تلظّى كلّما خبت زادها اللَّه سعيرا . فغضب منه وقتله ثمّ ألقاه في جيفة حمار ثمّ أحرقه بالنار . فلمّا بلغ ذلك عائشة جزعت عليه جزعا شديدا وقنتت في دبر الصلاة تدعو على معاوية وعمرو وأخذت عيال محمد إليها ، فكان القاسم بن محمد بن أبي بكر في عيالهم ، ولم تأكل من ذلك الوقت شواء حتى توفّيت .
--> [ 1 ] ( سورة القمر 54 ، الآية 43 ) .